علي الجارم / مصطفى أمين

10

البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية )

ومن أمثلة ذلك قول المتنبي لكافور الإخشيدى « 1 » في أول قصيدة مدحه بها : كفى بك داء أن ترى الموت شافيا * وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا « 2 » وقوله في مدحه : وما طربى لمّا رأيتك بدعة * لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب قال الواحدىّ « 3 » : هذا البيت يشبه الاستهزاء فإنه يقول : طربت عند رؤيتك كما يطرب الإنسان لرؤية المضحكات . قال ابن جنّى « 4 » : لما قرأت على أبى الطيب هذا البيت قلت له : ما زدت على أن جعلت الرجل قردا ، فضحك . ونرى أن المتنبي كان يغلى صدره حقدا على كافور وعلى الأيام التي ألجأته إلى مدحه ؛ فكانت تفر من لسانه كلمات لا يستطيع احتباسها وقديما زلّ الشعراء لمعنى أو كلمة نفّرت سامعيهم ، فأخرجت كلامهم عن حد البلاغة ، فقد حكوا أن أبا النجم « 5 » دخل على هشام ابن عبد الملك وأنشده : صفراء قد كادت ولمّا تفعل * كأنّها في الأفق عين الأحول « 6 »

--> ( 1 ) كافور الإخشيدى : هو الأمير المشهور صاحب المتنبي ، وكان عبدا اشتراه الإخشيد ملك مصر سنة 312 ه فنسب إليه وأعتقه ، فترقى عنده ، وما زالت همته تسمو به حتى ملك مصر سنة 355 ه ، وكان مع شجاعته فطنا ذكيا حسن السياسة ، وتوفى بالقاهرة سنة 357 ه ( 2 ) كفى بك : أي كفاك فالباء زائدة ، والمنايا جمع منية وهي الموت ، والأماني : جمع أمنية وهي الشئ الذي تتمناه ؛ يخاطب أبو الطيب نفسه ويقول : كفاك داء رؤيتك الموت شافيا لك ، وكفى المنية أن تكون شيئا تتمناه . ( 3 ) الواحدي : مفسر عالم بالأدب ، مولده ووفاته بنيسابور ، وكتبه البسيط والوسط والوجيز في التفسير مخطوطة ، وشرحه لديوان المتنبي مطبوع توفى سنة 468 ه . ( 4 ) ابن جنى : هو من أئمة النحو والعربية ولد في الموصل وتوفى ببغداد سنة 392 ه . ومن مؤلفاته الخصائص في اللغة ، وكان المتنى يقول : ابن جنى أعرف بشعرى منى . ( 5 ) أبو النجم : هو الفضل بن قدامة ، وهو من رجال الإسلام ، والفحول المتقدمين في الطبقة الأولى منهم ، وله مع هشام بن عبد الملك أخبار طويلة ، وكانت وفاته آخر دولة بنى أمية . ( 6 ) قيل هما البيت في وصف الشمس ، والأحول : من بعينه حول . وهو ظهور البياض في مؤخر العين ، ويكون السواد من قبل الماق .